السبت، 1 أغسطس 2026

هل قولنا في القداس: الخالق الشريك مع الآب، يعتبر شرك بالله؟!

 


 

لا، قولنا في القداس بأن المسيح "خالق" و"شريك" مع الآب ليس شركاً بالله، بل هو جوهر الإيمان المسيحي القائم على سر الثالوث القدوس. لفهم هذا بشكل صحيح، يجب النظر إلى العلاقة بين الأقانيم الإلهية كما تُصلى وتُعلن في الليتورجيا.

 

الإيمان المسيحي يؤمن بإله واحد، لكن هذا الإله الواحد هو ثلاث أقانيم: الآب والابن والروح القدس، متساوون في الجوهر والأزلية. عندما نصف المسيح بأنه "خالق" أو "شريك" مع الآب، فإننا لا نعني أن هناك إلهين منفصلين، بل نعترف بأن الابن (المسيح) له الجوهر الإلهي نفسه للآب.

 

   طبيعة العلاقة: العلاقة بين الآب والابن ليست علاقة شريكين مستقلين، بل هي علاقة جوهرية وأزلية. الابن "مولود من الآب قبل كل الدهور"، وهو "نور من نور، إله حق من إله حق". هو ليس خليقة، بل هو خالق مع الآب. ويكتب ق. اثناسيوس الرسولي:

الثالوث المبارك لا يتجزأ ، وهو واحد في ذاته، لأنه حينما ذُكر الآب ذُكر الابن الكلمة والروح القدس الذي في الابن، وإذا ذُكر الابن فإنّ الآب في الابن، والروح القدس ليس خارج الكلمة لأن للآب نعمة واحدة تتم بالابن في الروح القدس، وهناك طبيعة إلهية واحدة. [الرسائل إلى سرابيون 1 : 14].

 

ولذلك يكتب ق. امبرسيوس:

نحن نقول إله واحد ونعترف بالآب والابن. لقد كُتِبَ (أحبب الرب إلهك ولا تعبد سواه. تث 10 : 20) أما يسوع فقد رفض أنه منفرد بنفسه إذ قال (لا أكون وحدي لأن الآب معي. يو16: 32). ليس هو وحده الآن لإن الآب يشهد أنه حاضر معه. الروح القدس حاضر (أيضاً). لأن الثالوث غير منفصل. [التفسير القديم للكتاب المقدس، ترجمة الاب ميشال نجم، انجيل لوقا، ص 126]

 

ومن القرن الثاني يوضح العلامة ترتليان بجلاء هذه الحقائق قائلًا:

[وكما أن الشعاع ينطلق من الشمس ... إلاَّ أن الشمس تكون قائمة في الشعاع بمقتضى أن الشعاع هو شعاع الشمس، والشعاع لا يُعتبر مادة منفصلة عن الشمس بل خارجاً منها. وهكذا دائماً تكون علاقة الروح من الروح، والإله من الإله، وكما أن النور حينما يشتعل من النور فإن النور الأصلي يبقى كاملاً ولا ينقص، هكذا ما يخرج من - طبيعة - الله فإنه يسمَّى في الحال “إله” و“ابن الله” وأنهما كليهما واحد.] [الأب متى المسكين، القديس أثناسيوس الرسولي، ص 397]

   شهادة المسيح نفسه: في الإنجيل، يقول المسيح: "أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ" (يوحنا 10: 30)، ويؤكد أن من رآه فقد رأى الآب (يوحنا 14: 9-10) . هذه ليست دعوة للشرك، بل إعلان عن وحدة الجوهر الإلهي.

 

القداس الإلهي (الليتورجيا) هو المساحة التي تُعاش فيها عقيدة الثالوث بشكل صلاة، وهي تُظهر بوضوح أن العبادة كلها موجهة لله الواحد، ولكن من خلال المسيح وبالروح القدس:

   في الصلوات: تُختتم معظم صلوات القداس بـ "نَسْأَلُكَ بِرَبِّنَا يَسُوعَ المَسِيحِ ابْنِكَ، الَّذِي يَحْيَا وَيَمْلِكُ مَعَكَ وَمَعَ الرُّوحِ القُدُسِ، إلهاً وَاحِداً، إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ" . هنا نرى بوضوح أن المسيح "يحيى ويملك" مع الآب، وهم إله واحد.

   في الإفخارستيا (صلاة الشكر): في قلب القداس، تُقدّم الذبيحة للآب، من خلال المسيح، وفي الروح القدس. كما يوضح التعليم المسيحي، الآب هو "مصدر وغاية كل بركات الخلق والخلاص". والمسيح هو الذي يُتمم هذه البركات ويُقدّمها للآب. العبادة ليست موجهة لكيانين، بل لله الواحد الثالوث.

   في الصلاة الربانية: عندما نصلّي "أبانا الذي في السماوات" في القداس، فإننا نُمارس الجرأة التي أعطانا إياها المسيح لنخاطب الله كأب. هذا يؤكد أن العلاقة مع الله هي علاقة أبناء من خلال الابن، وليست عبادة لآلهة متعددة. ويقول أيضًا القديس يوحنا الدمشقي:

إنَّ اللاهوت لا يمكن ان ينقسم إلى أقسام، وهو على نحو ما يصير في ثلاثة شموس متواجدة بعضها في بعض وهي لا تنفصل، فيكون مزيج النور واحد والاضائة واحدة. إذًا عندما ننظر إلى اللاهوت، على أنه العلة الأولى، والرئاسة الواحدة، والواحد، وحركة اللاهوت ومشيئته الواحدة - إذا صحَّ القول - وقوة الجوهر وفعل سيادته ذاتها، فالذي يتصور في ذهننا هو الواحد. [يوحنا الدمشقي. المائة مقالة في الايمان الارثوذكسي. ص72 - 73]

 

إذا نظرت إلى نص القداس ككل، ستجد أنه يصوغ حركة روحية واحدة: كل شيء يأتي من الآب، ويُتحقق بالمسيح، ويُكمل بالروح القدس، ليعود كل المجد إلى الآب. إن القول بأن المسيح "شريك" الآب في الخلق هو إعلان عن سر محبته، حيث الآب خلق العالم بالابن. هذه العبادة هي أسمى تعبير عن وحدانية الله، وليست شركاً به.

ففي الصلاة التي نرفعها نحن المؤمنين بالله، فإنّها تكون في الروح بالابن إلى الآب، وذكرنا لاسم أحد الأقانيم يعني تبعًا أنّنا ذكرنا الأقنومين الآخرين، حيث الأقانيم في بعضهم البعض في اتحاد حقيقي ووحدة دون انفصال، لإن الله واحد فيه ثلاثة أقانيم في بعضهم البعض؛ يقول القديس امبرسيوس:

من يذكر اسم واحد من الأقانيم فقد ذكر الثالوث، فإذا ذكرت اسم المسيح فأنت ضمنًا تشير إلى الله الآب الذي به الابن قد مُسحَ، والابن نفسه الذي مُسحَ، والروح القدس الذي تمت به المسحة... وإذا تكلمت عن الروح فأنت تذكر الله الآب الذي منه ينبثق الروح، وتذكر أيضًا الابن لإنّه روح الابن.[ الروح القدس، للقديس أمبرسيوس أسقف ميلان. 1: 12: 14. ذُكِرت في: الروح القدس كتابيًا وآبائيًا، للراهب هرمينا البراموسي. ص 28]

 


ليست هناك تعليقات: